الرئيس المصرى محمد نجيب

اول رئيس لجمهورية مصر العربية
بواسطة العضو : سارة سعيد | بتاريخ : 21- يوليو 2016

اللواء أركان حرب محمد نجيب ، أول رئيس لـ جمهورية مصر العربية بعد إنهاء الملكية وإعلان الجمهورية في (18 يونيو 1953)، كما يعد قائد ثورة 23 يوليو 1952 التي انتهت بعزل الملك فاروق ورحيله عن مصر، . تولى منصب رئيس الوزراء في مصر خلال الفترة من (8 مارس 1954 ـ18 أبريل 1954)، وتولى أيضاً منصب القائد العام للقوات المسلحة المصرية ثم وزير الحربية عام 1952.

اللواء محمد نجيب

نشاته

ولد محمد نجيب بالسودان بساقية أبو العلا بالخرطوم، لأب مصري وأم مصرية سودانية المنشأ اسمها (زهرة محمد عثمان)، اسمه الكامل محمد نجيب يوسف قطب القشلان، يوجد تضارب حول تاريخ ميلاده، حيث أن التاريخ الرسمي لدى التسنين الذي قام به الجيش هو 19 فبراير 1901،وعادة لا يكون دقيقاً، أما في مذكراته، فقد ذكر أن أحد كبار عائلته قال له أنه ولد قبل أحد أقربائه بأربعين يوماً، وبالحساب وجد أن تاريخه ميلاده هو 7 يوليو 1902.

بدأ والده يوسف نجيب حياته مزارعاً في قريته النحارية مركز كفر الزيات بمحافظة الغربية في مصر،وهي بجوار قرية إبيار الشهيرة ثم التحق بالمدرسة الحربية وتفوق فيها، وبعد تخرجه شارك في حملات استرجاع السودان 1898، تزوج يوسف نجيب من سودانية اسمها سيدة محمد حمزة الشريف وأنجب منها ابنه الأول عباس ثم طلقها، وبعدها تزوج من السيدة «زهرة» ابنة الأميرالاي محمد بك عثمان في عام 1900 وهو ضابط مصري تعيش أسرته في أم درمان واستشهد في إحدى المعارك ضد الثورة المهدية، وقد أنجب يوسف من السيدة زهرة ثلاثة أبناء هم محمد نجيب وعلي نجيب ومحمود نجيب، وأنجب أيضاً ستة بنات. عندما بلغ محمد نجيب 13 عاماً توفي والده، تاركاً وراءه أسرة مكونة من عشرة أفراد، فأحس بالمسؤولية مبكراً، ولم يكن أمامه إلا الاجتهاد في كلية جوردن حتي يتخرج سريعاً.

التحق بـكلية غردون ثم بالمدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1918، ثم التحق بالحرس الملكي عام 1923. حصل على ليسانس الحقوق في عام 1927وكان أول ضابط في الجيش المصري يحصل عليها . حصل على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1929 ودبلوم آخر في الدراسات العليا في القانون الخاص عام1931.

مشوار محمد نجيب فى العسكرية 

تلقى محمد نجيب تعليمه بمدينة ود مدني عام 1905 حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، انتقل والده إلى وادي حلفا عام 1908 فالتحق بالمدرسة الابتدائية هناك، ثم التحق بكلية الغوردون عام 1913.

يقول محمد نجيب في مذكراته: «كنت طالباً في السنة الثانية بالكلية 1914 وجاء المستر سمبسون، مدرس اللغة الإنجليزية، ليملي علينا قطعة إملاء جاء فيها: أن مصر يحكمها البريطانيون، فلم يعجبني ذلك. وتوقفت عن الكتابة. ونهضت واقفاً وقلت له: لا يا سيدي مصر تحتلها بريطانيا فقط ولكنها مستقلة داخلياً وتابعة لتركيا، فثار المدرس الإنجليزي وغضب وأصر علي أن أذهب أمامه إلي مكتبه وأمر بجلدي عشر جلدات علي ظهري واستسلمت للعقوبة المؤلمة دون أن أتحرك أو أفتح فمي»

بعد أن تخرج من الكلية التحق بمعهد الأبحاث الاستوائية لكي يتدرب علي الآلة الكاتبة تمهيداً للعمل كمترجم براتب ثلاثة جنيهات شهرياً، وبعد التخرج لم يقتنع بما حققه وأصر على دخول الكلية الحربية في القاهرة.

التحق بالكلية الحربية في مصر في أبريل عام 1917 وتخرج فيها في 23 يناير 1918، ثم سافر إلى السودان في 19 فبراير 1918 وفى نفس سن والده والتحق بذات الكتيبة المصرية التي كان يعمل بها والده ليبدأ حياته كضابط في الجيش المصري بالكتيبة 17 مشاة.

ومع قيام ثورة 1919 أصر على المشاركة فيها علي الرغم من مخالفة ذلك لقواعد الجيش، فيسافر إلي القاهرة ويجلس علي سلالم بيت الأمة حاملاً علم مصر وبجواره مجموعة من الضباط الصغار. ثم انتقل إلى سلاح الفرسان فيشندي. وقد ألغيت الكتيبة التي يخدم فيها، فانتقل إلى فرقة العربة الغربية بالقاهرة عام 1921.

حصل على شهادة الكفاءة، ودخل مدرسة البوليس لمدة شهرين، واحتك بمختلف فئات الشعب المصري، وتخرج وخدم في أقسام عابدين، مصر القديمة، بولاق، حلوان. عاد مرة أخرى إلىالسودان عام 1922 مع الفرقة 13 السودانية وخدم في واو وفي بحر الغزال، ثم انتقل إلى وحدة مدافع الماكينة في ملكال.

انتقل بعد ذلك إلى الحرس الملكي بالقاهرة في 28 أبريل 1923، ثم انتقل إلى الفرقة الثامنة بالمعادي بسبب تأييده للمناضلين السودانيين ، حصل على شهادة الباكلوريا عام 1923، والتحق بكلية الحقوق، ورقي إلى رتبة ملازم أول عام 1924، وكان يجيد اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية وذكر في مذكراته انه تعلم العبرية أيضاً، ورغم مسؤوليته فقد كان شغوفاً بالعلم.

في عام 1927 كان محمد نجيب أول ضابط في الجيش المصري يحصل على ليسانس الحقوق، ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1929 ودبلوم آخر في الدراسات العليا في القانون الخاص عام 1931 وبدأ في إعداد رسالة الدكتوراه ولكن طبيعة عمله العسكري، وكثرة تنقلاته حالا دون إتمامها.

وفي عام 1929 تعلم محمد نجيب درساً من مصطفى النحاس، فقد أصدر الملك فؤاد قراره بحل البرلمان لأن أغلبية أعضائه كانوا من حزب الوفد الذي كان دائم الاصطدام بالملك فتخفى في ملابس خادم نوبي، وقفز فوق سطح منزل مصطفى النحاس، وعرض عليه تدخل الجيش لإجبار الملك على احترام رأي الشعب، لكن النحاس قال له: أنأ أفضل أن يكون الجيش بعيداً عن السياسة، وأن تكون الأمة هي مصدر السلطات، كان درساً هاماً تعلم من خلاله الكثير حول ضرورة فصل السلطات واحترام الحياة النيابية الديمقراطية، وهو الدرس الذي أراد تطبيقه بعد ذلك عام 1954.

رقي إلى رتبة يوزباشي (نقيب) في ديسمبر 1931، ونقل إلى السلاح الحدود عام 1934، ثم انتقل إلى العريش. كان ضمن اللجنة التي أشرفت على تنظيم الجيش المصري في الخرطوم بعد معاهدة 1936 ثم اسس مجلة الجيش المصري عام 1937 ورقي لرتبة الصاغ (رائد) في 6 مايو 1938، ورفض في ذلك العام القيام بتدريبات عسكرية مشتركة مع الإنجليز في مرسى مطروح.

عقب حادث 4 فبراير 1942 وهو الحادث الذي حاصرت خلاله الدبابات البريطانية قصر الملك فاروق لإجباره على إعادة مصطفى النحاس إلى رئاسة الوزراء أو أن يتنازل عن العرش. غضب محمد نجيب وكان وقتها برتبة صاغ (رائد) وذهب إلى حد تقديم استقالته احتجاجاً وغضباً لانه لم يتمكن من حماية ملكه الذي أقسم له يمين الولاء، وقد شكر المسؤولون في قصر عابدين مشاعره ورفضوا تسلم استقالته.

رقي إلى رتبة قائمقام (عقيد) في يونيو 1944، وفي تلك السنة عين حاكماً إقليمياً لسيناء، وفي عام 1947 كان مسؤولا عن مدافع الماكينة في العريش، ورقي لرتبة الأميرالاي (عميد) عام1948.

الرئيس محمد نجيب فى الحربية

 حرب فلسطين 

كانت بداية معرفة محمد نجيب على المستوى الشعبي، وعلى مستوى الجيش المصري، في أثناء مشاركته في حرب 1948، ورغم رتبته الكبيرة (عميد) كان على رأس صفوف قواته، اذ أصيب في هذه الحرب 7 سبع مرات كانت ثلاثة منها إصابات خطيرة « لذلك تم وضع شارة بالرقم ( 3 ) على بدلته العسكرية الرسمية»، وكانت أخطرها الإصابة الثالثة والأخيرة في معركة (التبه 86 ) في ديسمبر 1948،حيث أصيب برصاصات أثناء محاولته إنقاذ أحد جنوده عندما تعطلت دباباته، وكانت إصابة نجيب شديدة حيث استقرت الرصاصات على بعد عدة سنتيمترات من قلبه، وحينما اختبأ خلف شجرة وجد الدم يتفجر من صدره، وكتب وصيته لأولاده قال فيها «تذكروا يا أبنائي أن أبيكم مات بشرف.وكانت رغبته الأخيرة أن ينتقم من الهزيمة في فلسطين ويجاهد لوحدة وادي النيل.

عندما نقل إلى المستشفى اعتقد الأطباء أنه استشهد، ودخل اليوزباشي صلاح الدين شريف لإلقاء نظرة الوادع على جسده فنزع الغطاء وسقطت دمعة على وجه محمد نجيب وتحققت المعجزة فقد تحركت عيناه فجأة فأدرك الأطباء أنه لا يزال على قيد الحياة وأسرعوا بإسعافه، وقتها حصل على « نجمة فؤاد العسكرية الأولى» تقديراً لشجاعته في هذه المعركة مع منحه لقب البكوية فقد كان أول ضابط مصري يقود ما يربو على الفيلق بمفرده.

محمد نجيب وحركة الضباط الاحرار

بعد حرب 1948 عاد نجيب إلى القاهرة قائدا لمدرسة الضباط العظام، وتيقن أن العدو الرئيسي ليس في اليهود وبقدر ما هم هولاء الرجال الذين يرتكبون خلف ظهورنا الاثام و الموبقات يطعنون شرفهم بما يرتكبون من حماقات ، وكان يردد دائما أن المعركة الحقيقة في مصر وليست في فلسطين، ولا يتردد أن يقول هذا الكلام أمام من يثق فيهم من الضباط، وفي فترة من الفترات كان الصاغ عبد الحكيم عامر أركان حرب للواء محمد نجيب، ويبدو أن كلام محمد نجيب عن الفساد في القاهرة قد أثر فيه فذهب إلى صديقه جمال عبد الناصر وقال له كما روى عامر لنجيب بعد ذلك: لقد عثرت في اللواء محمد نجيب على كنز عظيم.

كان جمال عبد الناصر قد بدأ في تشكيل تنظيم الضباط الأحرار منذ عام 1949 ، حيث تسببت هزيمة فلسطين في بث حالة من السخط والرغبة في القضاء على الإقطاع والفساد الداخلي وإنشاء جيش قوي، مع الالتزام في نظامه بالسرية المطلقة، كان التنظيم يريد ان يقوده أحد الضباط الكبار لكي يحصل التنظيم على تأييد باقي الضباط، وبالفعل عرض عبد الناصر الأمر على محمد نجيب فوافق على الفور.

قال ثروت عكاشة – أحد الضباط الأحرار – في كتابه «مذكراتي بين السياسة والثقافة»: «كان اللواء محمد نجيب أحد قادة الجيش المرموقين لأسباب ثلاثة: أولها أخلاقياته الرفيعة، وثانيها ثقافته الواسعة، فهو حاصل على ليسانس الحقوق، وخريج كلية أركان الحرب ويجيد أكثر من لغة، وثالثها شجاعته في حرب فلسطين التي ضرب فيها القدوة لغيره وظفر بإعجاب الضباط كافة في ميدان القتال».

كان اختيار تنظيم الضباط الأحرار لمحمد نجيب سر نجاح التنظيم داخل الجيش، فكان ضباط التنظيم حينما يعرضون على باقي ضباط الجيش الانضمام إلي الحركة كانوا يسألون من القائد، وعندما يعرفوا أنه اللواء محمد نجيب يسارعون بالانضمام.

وقال المؤرخ العسكري اللواء جمال حماد وهو أحد الضباط الأحرار أن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام محمد نجيب إليها لما كان له من سمعة طيبة في الجيش، ولما كان لمنصبه من أهمية، إذ أن باقي الضباط الأحرار كانوا ذوو رتب صغيرة وغير معروفين.

مجلس قيادة الثورة

محمد نجيب وثورة 23 يوليو 

في يوم 19 يوليو 1952 إجتمعت اللجنة العليا للضباط الأحرار ولم يحضرها نجيب حتى لا يلفت أنظار الجهات الأمنية، وكانت الخطة التي عرضت ونوقشت لاحقاً مع محمد نجيب تنص على قيام المجموعات بالتحرك للإستيلاء على قيادات الجيش، وأخذت الخطة تتوسع حتى تحولت إلى السيطرة على الهيئات الحكومية والإذاعة وتحولت لخطة إنقلاب عسكري كامل.

كان من المقرر تنفيذ الخطة يوم 8 أغسطس، الا أن مقابلة نجيب مع وزير الداخلية ساهمت في تطور الأحداث وتقرر التنفيذ في أيام 22 أو 23 يوليو ، كان موعد التحرك قد تسرب ، وتم إبلاغ حيدر باشا بوجود تحركات من جانب الضباط الأحرار قبل ساعة الصفر، وقام اللواء حسن فريد رئيس أركان الجيش بعقد اجتماع في الساعة العاشرة مساءاً بحضور قيادات الجيش باستثناء اللواء محمد نجيب مدير سلاح المشاة لشكوكهم بأنه على صلة بهذا التنظيم، لكن محمد نجيب علم باجتماع القيادات هذا ، واصدر أوامره لعبد الحكيم عامر باعتقال جميع القادة الموجودين في الاجتماع.

وحدث مالم يتوقعه البعض اذ قام يوسف صديق قائد كتيبة المدفعية الأولى بالتحرك فعلياً، وقام باعتقال اثنين من القيادات، وأثناء تحرك قواته قابل عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكانا بملابس مدنية وعرف منهما تغيرات الخطة، فتوجهت القوات مباشرة نحو القيادة العامة للجيش، ومع توافد القوات تباعاً تم إعتقال باقي القيادات والسيطرة على الجيش، كان الاتفاق يقضي ببقاء محمد نجيب في منزله على أهبة الإستعداد لاتخاذ أي خطوات بديلة في حال فشل عملية السيطرة، وقام جمال حماد بالإتصال بنجيب ليخبره بنجاح العملية، حيث تم الاستيلاء على القيادة العامة، ومركز الاتصالات، وتحركت المدرعات ودخلت القاهرة، وانتقل اللواء محمد نجيب لمبنى القيادة العامة.

وفي السابعة من صباح ذلك اليوم أذاع الصاغ محمد أنور السادات بياناً للشعب المصري أعلن فيه اندلاع حركة سلمية بدون دماء قامت بها القوات المسلحة من أجل الأمن القومي على أساس الشرعية الثورية، وتصدرت صورة اللواء محمد نجيب الصفحة الأولى لجريدة «المصري» وفوقها مانشيت: اللواء نجيب يقوم بحركة تطهيرية في الجيش.

كان الملك وقتها يقيم بالأسكندرية وكان هناك رجال الوزارة الذين يسعون لأداء قسم الحكومة الجديدة برئاسة نجيب الهلالي، وعقب سماع البيان أعتقد الملك ورجال السياسة أنها حركة تطهيرية داخل الجيش، قامت وزارة نجيب الهلالي بالتواصل مع اللواء نجيب، والذي نقل له مطالب الحركة وهي:

  • تكليف علي باشا ماهر بتشكيل الحكومة
  • تعيين محمد نجيب قائداً عاما للقوات المسلحة
  • إبعاد الحاشية الملكية والمستشارين عن القصر الملكي.

كانت هذه المطالب مجرد جس نبض للملك والتعرف على وضعه الحالي فيما إذا كان في موقف قوة أم ضعف. كان سقوط قيادة الجيش وخضوعها تحت قيادة نجيب وسيطرة الجيش على أجهزة الدولة بالقاهرة قد حسم موازيين لقوة لصالحهم، خاصة بعد قيام العديد من الضباط بتأييد الحركة ولم يجد الملك سوى الرضوخ لمطالبهم ، وكانت حركة الجيش تحظى بتأييد تنظيمات شعبية منها الأخوان المسلمين، وأستقالت حكومة نجيب الهلالي باشا وأصدر الملك قراره لعلي ماهر بتشكيل الحكومة الجديدة، وتم تعيين محمد نجيب قائداً عاماً للقوات المسلحة وتمت ترقيته إلى رتبه فريق.

قام تنظيم الضباط الأحرار بإرسال قوات لمحاصرة قصر الملك في الإسكندرية تمهيداً لعزله، كانت هذه التحركات تتم بحذر نظراً لأن قوات البحرية كانت لا تزال خاضعة للملك وكذلك قوات الحرس الملكي، كما قام مرتضى المراغي بالتلميح إلى نجيب بأن الملك فاروق قد يستعين بالقوات الإنجليزية المتواجدة في منطقة القناة، مما دفع ببعض القوات لمحاصرة طريق القاهرة السويس للتصدي لأي تحركات نحو القاهرة.

لم تثمر جهود الملك في الاستعانة بالبريطانيين او الأمريكيين بأي نتيجة، وقامت حكومة علي ماهر بأداء القسم يوم 24 يوليو، ووصلت تشكيلات من الجيش الإسكندرية بدون أي مقاومة تذكر، كانت حركة الجيش لا يعرف أحد أهدافها في ذلك الوقت، وفي يوم 25 من يوليو قام محمد نجيب بإبلاغ على ماهر باشا بالإنذار بمطالب الجيش بتنازل الملك فاروق عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد الثاني وضرورة مغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساءاً ، كان السفير الأمريكي منزعجاً في ذلك اليوم بعد تردد أنباء عن إطلاق نار على قصر رأس التين مما قد يمثل تصعيداً بالغا وتحديا سافر، إلا أن محمد نجيب أبلغ السفير الأمريكي بأن هذا نتج عن تصور خاطئ من قوات الحرس الملكي، وأن القوات المتواجدة في الأسكندرية مجرد إجراء روتيني لحفظ الأمن.

كان قصر رأس التين محاصرا ، ووسط مخاوف من إندلاع إشتباكات قد تؤدي إلى حرب أهلية، وافق فاروق على المطالب لكونها ستحافظ على العرش في أسرته، وأخبر على ماهر باشا بموافقته بشرط أن يصطحب معه زوجته وأبناءه و أن يتم توديعه بصورة تليق به كملك وأن تشترك الحكومة وقيادة الجيش في هذا التوديع، وأن تقوم بعض قطع الأسطول المصري بحراسة الباخرة التي سيستقلها حتى وصوله إلى إيطاليا، وقام عبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة بإعداد وثيقة التنازل عن العرش، وقام الملك فاروق بتوقيعها وتسليمها لعلي ماهر.

وفي مساء اليوم غادر الملك فاروق على متن سفينة المحروسة وكان في وداعه رجال الدولة وضباط من الجيش وأطلقت البحرية 21 طلقة وعزف السلام الملكي ، كان محمد نجيب يريد أن يكون في صفوف المودعين إلا أن الحشود في الشوارع إعترضت طريقه وتأخر عن موعد وصوله، لكنه أصر على توديع الملك بنفسه وصعد نجيب مع زملاءه عل سطح المحروسة، وعقب مغادرة الملك أذيع البيان بشأن تنازل الملك عن العرش لولي عهده، وقيام محمد نجيب بالتنازل عن رتبة الفريق التي حصل عليها لعدم إرهاق الدولة بأعباء راتبه الجديد.

بالرغم من المشاكل والأحداث التي تعرض لها التنظيم في الشهور التي تلت ثورة يوليو، خاصة مع وجود خلافات داخل صفوف الجيش، إلا أن مجلس قيادة الثورة قد أكتسب قوة كبيرة جعلته يتحكم في مقاليد الأمور، خاصة مع عدم وجود معارضة قوية في ذلك الوقت، وفي 18 يونيو 1953 تم إعلان قيام الجمهورية وإلغاء الملكية في مصر، وتم أختيار محمد نجيب كرئيس للجمهورية والذي أحتفظ بمنصبه كرئيس للوزراء مع تخليه عن منصب وزير الحربية وقيادة الجيش.

محمد نجيب رئيس الجمهورية

كانت أولى أيام نجيب في الرئاسة مفعمة بالمشاكل والصدام خاصة مع رغبة عبد الناصر في تعيين صديقه عبد الحكيم عامر قائدا عاما للقوات المسلحة وترقيته مباشرة من رتبة صاغ إلى رتبة لواء، اذ ان هذا القرار كان يتعارض مع قواعد الجيش بسبب تخطيه العديد من الرتب ويتعدى على نظام الأقدمية المتبع في الجيش، ولذلك رفض محمد نجيب هذا الأمر، وظل يقاومه لأكثر من 3 أسابيع حتى رضخ في النهاية أمام قرار المجلس وأصدر قراراه بتعيين عامر.

كانت أولى قرارات نجيب هو إنشاء قوات الحرس الوطني وهي قوة عسكرية قائمة على التطوّع الشعبى كي تكون عونا للجيش النظامى الأساسي فى الذود عن استقلال البلاد، كان الخلاف على تعيين عبد الحكيم عامر نقطة تحول بالنسبة لنجيب حيث وجد أن مقاليد السلطة بدأت تتجمع في يد بعض الشخصيات وأصبحت تتمتع بنفوذ وقوة كبيرة، مما جعله يفكر في إرساء الحياة المدنية مرة أخرى وإنهاء سيطرة الجيش على الحكم.

إعفائه من الرئاسة

انهزم محمد نجيب في معركة مارس 1954 والواقع أنها لم تكن خسارته فقط وإنما كانت خسارة لمسيرة الديمقراطية في وادي النيل، أصر نجيب على الاستقالة لكن عبد الناصر عارض بشدة استقالة نجيب خشية أن تندلع مظاهرات مثلما حدث في فبراير 1954، ووافق محمد نجيب علي الاستمرار إنقاذا للبلاد من حرب أهلية ومحاولة إتمام الوحدة مع السودان.

يوم 14 نوفمبر 1954 توجه محمد نجيب من بيته في شارع سعيد بحلمية الزيتون إلى مكتبه بقصر عابدين لاحظ عدم أداء ضباط البوليس الحربي التحية العسكرية، وعندما نزل من سيارته داخل القصر فوجئ بالصاغ حسين عرفة من البوليس الحربي ومعه ضابطان و10 جنود يحملون الرشاشات يحيطون به، فصرخ في وجه حسين عرفة طالبا منه الابتعاد حتى لا يتعرض جنوده للقتال مع جنود الحرس الجمهوري، فاستجاب له ضباط وجنود البوليس الحربي، لاحظ محمد نجيب وجود ضابطين من البوليس الحربي يتبعانه أثناء صعوده إلي مكتبه نهرهما فقالا له إن لديهما أوامر بالدخول من الأميرالاي حسن كمال، كبير الياوران، فاتصل هاتفيا بجمال عبدالناصر ليشرح له ما حدث، فأجابه عبدالناصر بأنه سيرسل عبد الحكيم عامرالقائد العام للقوات المسلحة ليعالج الموقف بطريقته.

وجاءه عبد الحكيم عامر وقال له في خجل «أن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئاسة الجمهورية فرد عليهم «أنا لا أستقيل الآن لأني بذلك سأصبح مسؤولا عن ضياع السودان أما أذا كان الأمر إقالة فمرحبا». وأقسم اللواء عبد الحكيم عامر أن إقامته في فيلا زينب الوكيل لن تزيد عن بضعة أيام ليعود بعدها إلي بيته، لكنه لم يخرج من الفيلا طوال 30 عاما.

خرج محمد نجيب من مكتبه في هدوء مع حسن إبراهيم في سيارة إلي معتقل المرج. وحزن علي الطريقة التي خرج بها فلم تؤدى له التحية العسكرية ولم يطلق البروجي لتحيته، وقارن بين وداعه للملك فاروق الذي أطلق له 21 طلقة وبين طريقة وداعه.

فعندما وصل إلى فيلا زينب الوكيل بضاحية المرج ، سارع الضباط والعساكر بقطف ثمار الفاكهة من الحديقة. وحملوا من داخل الفيلا كل ما بها من أثاث وسجاجيد ولوحات وتحف وتركوها خالية تماماً ، كما صادروا أثاث فيلا زينب الوكيل صادروا أوراق اللواء نجيب وتحفه ونياشينه ونقوده التي كانت في بيته. ومنعه تماما من الخروج أو من مقابلة أيا كان حتى عائلته.

محمد نجيب اثناء تحديد اقامته

تحديد اقامته لمدة 30 عاما 

أقيمت حول الفيلا حراسة مشددة، وفرض على جميع من بالمنزل عدم الخروج في الفترة من الغروب إلي الشروق، وكان عليهم أن يغلقوا النوافذ في عز الصيف تجنبا للصداع الذي يسببه الجنود، اعتاد الجنود أن يطلقوا الرصاص في منتصف الليل وفي الفجر، كانوا يؤخرون عربة نقل الأولاد إلى المدرسة فيصلون إليهم متأخرىن ولا تصل العربة إليهم في المدرسة إلا بعد مدة طويلة من انصراف كل من المدرسة.

كانت غرفته في فيلا المرج مهملة بها سرير متواضع يكاد يختفي من كثرة الكتب الموضوعة عليه، وكان يقضي معظم أوقاته في هذه الحجرة يداوم علي قراءة الكتب المختلفة في شتي أنواع العلوم، خاصة الطب والفلك والتاريخ، ويقول محمد نجيب: «هذا ما تبقي لي، فخلال الثلاثين سنة الماضية لم يكن أمامي إلا أن أصلي أو أقرأ القرآن أو أتصفح الكتب المختلفة».

أثناء‏ العدوان الثلاثي ‏علي‏ مصر عام ‏1956 تم نقله ‏من‏ ‏معتقل‏ ‏المرج‏ ‏إلي‏ مدينة طما في سوهاج ‏بصعيد مصر ‏وقيل‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏المقرر‏ ‏قتله‏ ‏في‏ ‏حاله‏ ‏دخول‏ ‏الإنجليز‏ ‏القاهرة‏ ‏‏‏وذلك‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏سرت‏ ‏إشاعه‏ ‏قوية‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏إنجلترا‏ ‏ستسقط‏ ‏بعض‏ ‏جنود‏ ‏المظلات‏ ‏علي‏ ‏فيلا زينب‏ ‏الوكيل في‏ ‏المرج‏ ‏لاختطاف‏ ‏محمد نجيب‏ ‏وإعادة‏ ‏فرضه‏ ‏رئيسا‏ ‏للجمهورية‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏الرئيس‏ جمال عبد الناصر ولكن بعد فشل العدوان تم إعادته إلى معتقل المرج. وجرى التنكيل به حتى إن أحد الحراس ضربه على صدره في نفس مكان الإصابة التي تعرض لها في حرب 1948 مما سببت في حزن عميق لدى محمد نجيب، وأثناء نكسة 1967 ارسل برقية لجمال عبد الناصر يطلب منه السماح له بالخروج في صفوف الجيش باسم مستعار الا انه لم يتلق أي رد منه.

وفاة الرئيس محمد نجيب

تُوفي محمد نجيب في 28 أغسطس 1984 بعد دخولة في غيبوبة في مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، أثر مضاعفات تليف الكبد. بعد أن كتب مذكراته شملها كتابه كنت رئيسا لمصر، ويشهد له أن كتابه خلا من أي اتهام لأي ممن عزلوه.

على الرغم من رغبة محمد نجيب في وصيته أن يدفن في السودان بجانب أبيه، إلا أنه دفن في مصر بمقابر شهداء القوات المسلحة في جنازة عسكرية مهيبة، من مسجد رابعة العدويةبمدينة نصر وحمل جثمانه على عربة مدفع، وقد تقدم الجنازة الرئيس المصري حسني مبارك شخصيا وأعضاء مجلس قيادة الثورة الباقين على قيد الحياة .