قصة اصحاب الكهف

قصة اصحاب الكهف
بواسطة العضو : Starx | بتاريخ : 19- سبتمبر 2016

سورة الكهف سورة مكية ، عدد آياتها (110) آيات ، والكهف هو الغار في الجبل .

وقد تضمنت هذه السورة قصصا أربعة ، وهي قصة أصحاب الكهف ، وقصة صاحب الجنتين ، وقصة موسى والخضر ، وقصة ذي القرنين .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضلها أنه ( مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ ) رواه مسلم (809) .

وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلاَبِىِّ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدَّجَّالَ فَقَالَ : ( إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ) رواه أبو داود (رقم/4321) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

وورد في فضل قراءتها يوم الجمعة أيضا أحاديث أخر يمكن مراجعتها في الجواب رقم : (10700)

 

وخلاصة قصة أصحاب الكهف أنها قصة شبان ( فتية ) فروا من قومهم خشية الفتنة في دينهم . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في شأنهم :

” قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم : كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس ، وكانوا من أبناء الأكابر ، واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم ، فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان ، فنظروا بعين البصيرة ، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة ، وألهمهم رشدهم ، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء ، فخرجوا عن دينهم ، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ” انتهى.

” البداية والنهاية ” (2/135)

وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله :

” وهم فتية وفقهم الله ، وألهمهم الإيمان ، وعرفوا ربهم ، وأنكروا ما عليه قومهم من عبادة الأوثان ، وقاموا بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم ، خائفين من سطوة قومهم ، فقالوا :

{ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } أي : إن دعونا غيره .

{ شَطَطًا } أي : زورا وبهتانا وظلما .

{ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } الكهف /14 و 15.

فلما اتفقوا على هذا الأمر ، وعرفوا أنهم لا يمكنهم إظهار ذلك لقومهم ، سألوا الله أن يسهل أمرهم فقالوا : { رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } الكهف /10 .

فأووا إلى غار يسره الله غاية التيسير، واسع الفجوة ، بابه نحو الشمال لا تدخله الشمس ، لا في طلوعها ولا في غروبها ، فناموا في كهفهم بحفظ الله ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا ، وقد ضرب الله عليهم نطاقا من الرعب على قربهم من مدينة قومهم ، ثم إنه في الغار تولى حفظهم بقوله : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } الكهف /18؛ وذلك لئلا تُبلي الأرضُ أجسادهم ، ثم أيقظهم بعد هذه المدة الطويلة : { لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } ، وليقفوا في آخر الأمر على الحقيقة :

{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } [الكهف : 19] إلى آخر القصة .

ففيها آيات بينات وفوائد متعددة :

ومنها : أن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة ، فليست من أعجب آيات الله ؛ فإن لله آيات عجيبة وقصصا فيها عبرة للمعتبرين .

ومنها : أن من أوى إلى الله أواه الله ، ولطف به ، وجعله سببا لهداية الضالين ; فإن الله لطف بهم في هذه النومة الطويلة ، إبقاء على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم ، وجعل هذه النومة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله ، وتنوع إحسانه ، وليعلم العباد أن وعد الله حق .

ومنها : الحث على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها ؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك ، وببحثهم ، ثم بعلم الناس بحالهم ، حصل البرهان والعلم بأن وعد الله حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها .

ومنها : الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه ، وأن يقف عند ما يعرف .

ومنها : صحة الوكالة في البيع والشراء ، وصحة الشركة في ذلك ، لقولهم : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } .

ومنها : جواز أكل الطيبات ، والتخير من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه ، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه ، لقوله : { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } .

ومنها : الحث [ على ] التحرز والاستخفاء ، والبعد عن مواقع الفتن في الدين ، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر .

ومنها : بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين ، وفرارهم من كل فتنة في دينهم ، وتركهم لأوطانهم وعوائدهم في الله .

ومنها : ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه ، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين .

ومنها : أن قوله : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } الكهف /21 ، فيه دليل على أن هؤلاء القوم الذين بعثوا في زمانهم أناس أهل تدين ؛ لأنهم عظموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم ، وهذا إن كان ممنوعا – وخصوصا في شريعتنا – فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنا وتعظيما من الخلق ، وهذه عوائد الله فيمن تحمل المشاق من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة .

ومنها : أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي الانهماك به ، لقوله :

{ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } الكهف /22 .

ومنها : أن سؤال من لا علم له في القضية المسئول فيها ، أو لا يوثق به : منهي عنه ، لقوله :

{ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } الكهف/22. ” انتهى.

تيسير اللطيف المنان ، لابن سعدي (421-424) .

ويمكن مراجعة قصتهم مطولة في كتاب ” البداية والنهاية ” (2/133-139) للحافظ ابن كثير رحمه الله .