من هو هارون الرشيد

دينار اثناء حكم هارون الرشيد
بواسطة العضو : أحمد حسن | بتاريخ : 14- يوليو 2016

أبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور ، الخليفة العباسي الخامس. ولد في مدينة الري عام 149 هـ وتوفي في مدينة طوس “مشهد اليوم” عام 193 هـ . بويع بالخلافة ليلة الجمعة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي عام 170 هـ وكان عمره آنذاك 22 سنة. وأمه الخيزران بنت عطاء وهي أم ولد يمانية جرشية.

ويعتبر هارون الرشيد من أشهر الخلفاء العباسيين، وأكثرهم ذكرا حتى في المصادر الأجنبية كالحوليات الألمانية على عهد الامبراطور شارلمان التي ذكرته باسم (Aron)، والحوليات الهندية والصينية التي ذكرته باسم (Alun)، أما المصادر العربية فقد أفاضت الكلام عنه لدرجة أن اخباره قد امتزجت فيها حقائق التاريخ بخيال القصص، ولاسيما كتاب “ألف ليلة وليلة” التي صورته بالخليفة المسرف في الترف والملذات، وأنه لا يعرف إلا اللهو وشرب الخمور ومراقصة الغانيات. والواقع إن هذا الخليفة من خيرة الخلفاء فقد كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وقيل أنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق بألف، وكان يحب العلماء، ويعظم حرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيما إذا وعظ. وقد تم فتح الكثير من البلدان في زمنه، واتسعت رقعة الإسلام واستتب الأمن وعم الرخاء وكثر الخير بما لا نظير له ثم أن هذا الخليفة كان حسن السيرة والسريرة.

كذلك كان يصور بصورة الخليفة الحذر الذي يبث عيونه وجواسيسه بين الناس ليعرف أمورهم وأحوالهم، بل كان أحيانا يطوف بنفسه متنكرا في الأسواق والمجالس ليعرف ما يقال فيها. والواقع هذه الصورة المتباينة للرشيد ما هي الا انعكاس للعصر الذي عاش فيه بمحاسنه ومساوئه، وهو العصر العباسي الأول أو العصر الاسلامي الذهبي. وقد تميز عصره بالحضارة والعلوم والازدهار الثقافي والديني، كذلك ازدهار الفن والموسيقى. وأسس المكتبة الأسطورية بيت الحكمة في بغداد، وبدأت بغداد خلال فترة حكمه بالازدهار كمركز للمعرفة والثقافة والتجارة.

 

تمثال هارون الرشيد

 

حياته قبل الخلافة

 

هارون الرشيد هو ابن الخليفة محمد المهدي من زوجته الخيزران بنت عطاء التي كان لها نفوذ كبير في الدولة، ولد هارون عام 149 هـ (766م) في مدينة الري التي أصبحت جزء من إقليم الجبال في فترة الخلافة العباسية (في الوقت الحاضر محافظة طهران، إيران). وكان والده واليا على المدينة. تربى الرشيد مع أولاد الأمراء والقادة في الدولة العباسية ومع إخوته بالرضاعة الفضل وجعفر أولاد يحيى البرمكي الذي صار له مكانة عظمى بالدولة العباسية، وفي عام 151 هـوبعد وفاة جعفر الابن الأكبر للخليفة أبو جعفر المنصور عادت أسر المهدي إلى بغداد، وقد أصبح المهدي واليا للعهد. وعاش الرشيد طفولة هادئة ومستقرة في ضل رعاية والده وجده، وكان ممن تولى تربيته وتعليمه عالم النحو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي المعروف (الكسائي)، الذي ظل معه حتى وفاته ثم صار أيضا معلما لابن الرشيد محمد الأمين. كما تولى تربيته وتعليمه أيضا المعلم المفضل الضبي الذي صنف للمهدي كتاب “المفضليات”.

في عام 158 هـ توفي أبو جعفر المنصور وأصبح المهدي في منصب الخلافة ودفع بابنه هارون للتدرب على الفروسية والرمي وفنون القتال، وقال محمد بن علي الخراساني: “الرشيد أول خليفة لعب بالصوّالجة والكرة، ورمي النشاب في البرجاس، وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس”.

عندما أصبح هارون شابا يافعا عينه والده قائدا في الجيش الذي يضم العديد من القواد الكبار وأمراء الدولة وكان عمر هارون وقتها لا يتجاوز الخمس عشر عاما، وخرج الجيش عام163 هـ إلى أراضي الروم وتوغل فيها وأظهر هارون براعة في قيادته وحاصر قلعة رومية اسمها “سمالوا” ثمانية وثلاثين يوما حتى انتهى الأمر بفتحها، وعاد الرشيد بالجيش سالما محملا بالغنائم فاستقبله أهل بغداد وكافأه المهدي بتوليته بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية.وفي عام 165 هـ تزوج الرشيد ابنة عمه زبيدة بنت جعفر، وبعد الزواج بفترة قصيرة أرسله والده المهدي لقيادة جيشا اخر لغزو الروم، مكون من 95,793 رجلا. وصل جنود الرشيد خليج البحر المطل على القسطنطينية، وكانت حاكمتهم يومئذ أيرين زوجة أليون الملقبة (أغسطه)، وهي وصية العرش لأبنها قنسطنطين البالغ من العمر تسع سنوات، فطلبت الصلح من الرشيد بعد أن رأت القتل في الروم على أن تدفع له سبعين ألف دينار كل سنة، فقبل ذلك منها وأرسلت معه الهدايا لوالده الخليفة المهدي وتعاهدت مع الرشيد على هدنة ثلاث سنين. فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة:

 

أطفت بقسطنطينية الروم مسندا   إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها   بجزيتها والحرب تغلي قدورها

وعاد هارون من تلك الغزوة إلى بغداد وقد فرح المهدي بانتصار ابنه وأطلق عليه لقب الرشيد وأخذ له البيعة كولي للعهد بعد أخيه الأكبر موسى الهادي فأصبح هارون الرشيد ولي العهد الثاني

 

ولاية العهد ومبايعة اخوه الهادي

كانت الخيزران تحب أبنها هارون وترغب في تقديمه على أخيه الهادي في ولاية العهد لما رأته فيه من بطولة وذكاء وحكمة بالرغم من كون الاثنين ولديها، ولأن الخليفة المهدي كان يحب الخيزران حبا كبيرا، فعزم على تنفيذ رغبتها ونقل ولاية العهد من ولده موسى الهادي إلى هارون الرشيد، فأرسل في طلب ولده الهادي للحضور لديه وكان مقيما في جرجان.

لكن الهادي علم أن أباه يريد خلعه من ولاية العهد فلم يتمثل لآمر أبيه وظل مقيما في جرجان، فغضب المهدي منه وجهز جيشا وتوجه إلى جرجان ومعه ابنه هارون الرشيد، لكنه توفي في ماسبذان. فصلى عليه هارون ودفنه.وأرسل هارون إلى أخيه الهادي بخاتم الخلافة وهنئه بالخلافة وأخذ البيعة من الأمراء وقواد الجيش وعامة الشعب. وتسلم الهادي أمر الخلافة وتوجه إلى بغداد لممارسة مهام عمله وأخذ البيعة بنفسه وكان ذلك في عام 168 هـ. ولم تستمر مدة خلافته سوى سنة وثلاثة أشهر.

 

توليه الخلافة[عدل]

بويع الرشيد بالخلافة ليلة الجمعة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي (14 ربيع الأول 170 هـ/14 سبتمبر 786م) وكان عمر الرشيد وقتها اثنتين وعشرين سنة،وكانت الدولة العباسية حين آلت خلافتها إليه مترامية الأطراف متباعدة تمتد من وسط آسيا حتى المحيط الأطلسي، معرضة لظهور الفتن والثورات، تحتاج إلى قيادة حكيمة وحاسمة يفرض سلطانها الأمن والسلام، وتنهض سياستها بالبلاد، وكان الرشيد أهلاً لهذه المهمة الصعبة في وقت كانت فيه وسائل الاتصال صعبة، ومتابعة الأمور شاقة.

بتولي الرشيد الحكم بدأ عصر زاهر كان واسطة العقد في تاريخ الدولة العباسية التي دامت أكثر من خمسة قرون، ارتقت فيه العلوم، وسمت الفنون والآداب، وعمَّ الرخاء ربوع الدولة الإسلامية، ولقد أمسك هارون الرشيد بزمام هذه الدولة وهو في نحو الثانية والعشرين من عمرهِ، فأخذ بيدها إلى ما أبهر الناس من مجدها وقوتها وأزدهار حضارتها.

أتخذ الرشيد يحيى البرمكي وزيره الأول، وأبنائه من خلفه، وفوض إليه أمر الرعية. وفي ذلك قال إبراهيم الموصلي:

 

ألم تر أن الشمس كانت سقيمة   فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندي   فهارون واليها ويحيى وزيرها

وأمر هارون يحيى بأن يشاور والدته الخيزران بكل شيء، فكانت هي المشاورة في الأمور كلها، فتبرم وتحل وتمضي وتحكم. ورزق الرشيد في يوم خلافته بابنه محمد الأمين من زوجته زبيدة.

 

أعماله

  • أصدر الرشيد عند توليه الخلافة عفوا عاما أمن كل من كان هاربا أو مستخفيا عدا بعض الزنادقة.
  • كما استعمل الرقة عاصمة لهُ بين عامي 799 و800
  • وأنشأ بما يعرف ببيت الحكمة في بغداد[18] وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض. وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، وخُصصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين. كما تمت في عهده أول ترجمة إلى العربية لأشهر كتاب علمي عرف في التاريخ وهو “كتاب الأصول (الأركان) في الهندسة والعدد لإقليدس، وتطورت العلوم خصوصًا الفيزياء الفلكية والتقنية، وابتكرت عدد من الاختراعات كالساعة المائية. كما أنشيء في عهده أول مصنع للورق ببغداد سنة 795 م وصار سوق الوراقين لاحقا الذي يضم مئات الحوانيت التي تبيع السلع الورقية الفاخرة مفخرة عاصمة العباسيين وكان ورق بغداد يقدر تقديرا عاليا في المنطقة حتى ان بعض المصادر البيزنطية تسمي الورق بصحف بغداد (Bagdatixon) في ربط مباشر بينه وبين مدينة بغداد
  • اهتم هارون الرشيد بالإصلاحات الداخلية فبنى المساجد الكبيرة والقصور الفخمة وفي عهده استعملت القناديل لأول مرة في إضاءة الطرقات والمساجد. اعتنى الرشيد أيضًا بالزراعة ومأسسة نظامها، فبنت حكومته الجسور والقناطر الكبيرة وحفرت الترع والجداول الموصلة بين الأنهار، وأسس ديوانًا خاصًا للإشراف على تنفيذ تلك الأعمال الإصلاحية، ومن أعماله أيضًا تشجيع التبادل التجاري بين الولايات وحراسة طرق التجارة بين المدن، وقد شيّد مدينة الواقفة قرب مدينة الرقة على ضفاف الفرات لتكون مقرًا صيفيًا لحكمه.

و غدت بغداد قبلة طلاب العلم من جميع البلاد، يرحلون إليها حيث كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين، وكانت المساجد الجامعة تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأى والمناقشة، وثراء الجدل والحوار. كما جذبت المدينة الأطباء والمهندسين وسائر الصناع. وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، حتى ذاع صيت الرشيد وطبق الآفاق ذكره، وأرسلت بلاد الهندوالصين وأوروبا رسلها إلى بلاطهِ تخطب وده، وتطلب صداقته.

 

الخوارج 

 

ظهرت طائفة الخوارج أثناء القتال الذي جرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، واستمر خروج هذه الطائفة على خلفاء بني أمية وبني العباس, لكنهم لم يكونوا بالخطورة التي كانوا عليها في العصور السابقة أثناء عصر الرشيد لذلك سهل على الرشيد القضاء على ثوراتهم. كانت أول ثورة قام بها الخوارج قادها الفضل بن سعيد الحروري لكنه قتل بعد فترة وجيزة من خروجه. ثم الصحصح الخارجي بالجزيرة فتصدى له والي الجزيرة لكنه انهزم أمامه وسار الصحصح إلى الموصل فقاومه عسكر المدينة بباجرمي لكنهم لم يتمكنوا منه وعاد إلى الجزيرة, فأرسل له الرشيد جيشا لحقه بدورين فقتله وقضى على ثورته. و في سنة 178 هـ خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة فدخل إلى أرمينية وحاصر مدينة خلاط عشرين يوما فافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفا. ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى أرض حلوان وأرض السواد ثم عبر إلى غرب دجلة وقصد مدينة بلد وافتدى أهلها منه بمائة ألف, وبقي في أرض الجزيرة فأرسل اليه الرشيد قائده يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني الذي واجه الوليد وانتصر عليه وقضى على ثورته وانتهت الأزمة بمقتل الوليد. و في عام 179 هـ خرج حمزة بن أترك السجستاني وعظم أمره عام 185 هـ عندما عاث فسادا في بادغيس بخراسان فتصدى له عيسى بن علي بن عيسى وقتل الكثير من أعوانه وهرب حمزة إلى كابل. و في سنة 191 هـ خرج ثروان بن سيف في سواد العراق فتصدى له طوق بن مالك أدى إلى فرار ثروان ولم يعد له من أثر يذكر.

 

الامبراطورية البيزنطية

الأربعة ممالك الكبرى في عام 800 بعد الميلاد : الدولة العباسية وعاصمتهابغداد (أخضر) والدولة الأموية (أخضر فاتح) في الأندلس إمارة قرطبة، والكاروليجية (بنفسجي)، والدولة البيزنطية (بني).

كانت علاقة الرشيد بالإمبراطورية البيزنطية علاقة حرب وعداء كما كانت على عهد أبيه وجده, واصل الرشيد استكمال تحصينات ثغوره المتاخمه للبيزنطيين وأقام منطقة جديدة بين شمال الجزيرة وشمال الشام أطلق عليها اسم منطقة العواصم وجعل قاعدتها مدينة منبج في شمال شرق حلب ورتب فيها جيشا دائما, كذلك اهتم بمنطقة الثغور الشامية التي على الحدود بين آسيا الصغرى وسوريا فعمر فيها طرسوس وأضنة وعين زربه (ناورزا) كما أقام فيها حصونا جديدة مثل حصن الهارونية بين مرعش وعين زربه، اهتم الرشيد بمناطق الثغور وولى عليها ابنه الثالث أبا القاسم الملقب بالمؤتمن, كذلك اهتم الرشيد بتقوية الجيش العباسي حتى صار من أقوى جيوش العالم في ذلك الوقت ثم وجه الحملات المتكررة على المواقع البيزنطية في آسيا الصغرى. كانت شهرة هارون الرشيد قبل الخلافة تعود إلى حروبه العظيمه ضد الروم، فلما ولي الخلافة استمرت الحروب بينهما، وأصبحت تقوم كل عام تقريباً. وأضطرت دولة الروم أمام ضربات الرشيد المتلاحقة إلى طلب الهدنة والمصالحة، فعقدت إيريني ملكة الروم صلحاً مع الرشيد، مقابل دفع الجزية السنوية له في سنة 181 هـ، وظلت المعاهدة سارية حتى نقضها إمبراطور الروم نقفور الأول، الذي خلف إيريني في سنة 186 هـ ، وكتب إلى هارون: “من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ (القلعة في الشطرنج)، وأقامت نفسها مقام البَيْدق (الجندي في الشطرنج)، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وأفتدِ نفسك بما يقع به المبادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك”.

فلما قرأ هارون هذه الرسالة غضب غضبًا شديدًا ورد عليها برسالة مماثلة قال فيها : “من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام”. وخرج هارون الرشيد على رأس جيش كبير بلغ تعداده 135 ألفا سوى الاتباع والمطوعة وتوغل في آسيا الصغرى حتى وصل هرقلة عاصمة كورة بيثينيا فحاصرها واستولى عليها عنوة سنة 806 م وأعقب ذلك توجيه حملات متلاحقة بقيادة كبار قواده أمثال داود بن عيسى وشراحيل بن معن بن زائدة ويزيد بن مخلد, هزمت جيوش البيزنطيين ودمرت حصونهم واضطر الامبراطور نقفور أن يتناسى خطابه ويعترف بهزيمته ويتعهد بدفع الجزية من جديد وفي ذلك يقول الطبري :

“و بعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه وولى عهده وبطانته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه اربعة دنانير وعن رأس ابنه استبراق (هوستوراكيوس) بدينارين كما تعهد بان لا يعيد ترميم الحصون التي دمرها الرشيد”. و يبدوا أن الضربات التي وجهها الرشيد إلى الدولة البيزنطية كانت عنيفة وحاسمة بدليل أنها لم تحاول الاستفادة بعد ذلك من الفتنة التي دبت بين الأمين والمأمون في استعادة ما فقدته في عهد الرشيد.

الامبراطورية الرومانية المقدسة

رسم تخيلي لهارون الرشيد وهو يستقبل وفد شارلمان بريشة يوليوس كوركت 1846.

اشتهرت شخصية الرشيد في أوروبا نتيجة لعلاقته الودية مع امبراطور الدولة الرومانية المقدسة شارلمان (768 – 814 م)، بودلت بينهما السفارات، والبعثات الدبلوماسية المتنوعة كما وردت في الحوليات الملكية الكارولنجية “Carolingian Royal Annales” في المدة التي بين 797 – 806 م، أرسل شارلمان ثلاث سفارات مختلفة إلى البلاط العباسي في بغداد وفي المقابل أرسل الرشيد بعثتان تجاريتان على الأقل إلى أوروبا, ففي عام 801 م وصلت أولى البعثات العباسية إلى بيزا بشمال إيطاليا تبعتها سفارة ثانية إلى آخن بألمانيا ،ولا شك أن المصالح السياسية كانت وراء هذا التفاهم الودي بين الملكين, فقد أرادشارلمان من وراء هذا الحلف أن يضعف من نفوذ امبراطور الدولة البيزنطية، واستغل الرشيد هذا الحلف ضد أعدائه البيزنطيين والأمويين في الأندلس على السواء. كانت تلك البعثات المتبادلة بين الملكين مرفقة عادة بالهدايا الوافرة وقد اختار شارلمان المنتجات القيمة من أقمشة ملكية فاخرة وأرسلها مع سفرائه إلى الرشيد, أراد شارلمان توسيع صادرات الأقمشة من فرنسا إلى أراضي الدولة العباسية وبالتالي تعزيز التجارة في مملكته, ورد عليها الرشيد بأن أرسل إلى شارلمان عطورا وأقمشة وفيلا ولوحة شطرنج وساعة مائية, كما عرض عليه الخليفة أن يكون حاميا للأماكن المسيحية المقدسة في بيت المقدس

 

ساعة الرشيد وشارلمان

يذكر أن الساعة المائية التي أرسلها الرشيد إلى شارلمان مصنوعة من النحاس الأصفر بارتفاع نحو أربعة أمتار وتتحرك بواسطة قوة مائية وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنية يتبع بعضها البعض الاخر بحسب عدد الساعات فوق قاعدة نحاسية فتحدث رنينا جميلا في أنحاء القصر الامبرطوري كانت الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منه فارس يدور حول الساعة ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه وعندما تحين الساعة الثانية عشر يخرج اثنا عشر فارسا مرة واحدة يدورون دورة كاملة ثم يعودون من حيث أتوا وتغلق الأبواب خلفهم، أثارت الساعة دهشة الملك وحاشيته, واعتقد الرهبان أن في داخل الساعة شيطان يسكنها ويحركها, وجاؤوا إلى الساعة أثناء الليل، واحضروا معهم فؤوسا وحطموها إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئا سوى آلاتها، وقد حزن الملك شارلمان حزنا بالغا واستدعى حشدا من العلماء والصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة واعادة تشغيلها, لكن المحاولة فشلت, فعرض عليه بعض مستشاريه أن يخاطب الخليفة هارون الرشيد ليبعث فريقا عربيا لإصلاحها فقال شارلمان ” انني أشعر بخجل شديد أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عارا باسم فرنسا كلها”

غير أن السفارات المتبادلة بين الرشيد وشارلمان قد ذكرت في المصادر الأوروبية فقط, ويرجع بعض المؤرخين الأوروبيين أمثال بارتولد وبروكلمان أن بعض التجار العراقيين الذين ذهبوا إلى مدينة اكس لاشابيل (آخن) قاعدة شارلمان انتحلوا صفة السفراء الناطقين باسم الرشيد لدى شارلمان من غير تفويض, ولهذا لم يرد ذكرهم في المراجع العربية, وكان اعتماد الجانبين في أداء هذه المهام الدبلوماسية على العلماء والفقهاء في أغلب الأحيان.

المغرب والأندلس

أما عن سياسة الرشيد نحو المغرب والأندلس فكانت تقوم على سياسة الاعتراف بالأمر الواقع في تلك البلاد وعدم الخوض في مغامرات غير مأمونة العواقب كما فعل أبوه المهدي وجده المنصور ولهذا اكتفى بمحالفة جارهم القوي شارلمان, كما أقام في أفريقية دولة مستقلة في نطاق التبعية للخلافة العباسية وهي دولة الأغالبة التي كانت بمثابة ثغر عباسي أو دولة حاجزة لحماية أطرافه الغربية من أخطار الخوارج, والأدارسة، والأمويين فضلا عن البيزنطيين، ولم يلبث إبراهيم بن الأغلب مؤسس هذه الدولة أن شرع في بناء مدينة جديدة على بعد ثلاثة أميال جنوبي القيروان سماها العباسية وجعلها قاعدة لامارته سنة 800 م – 183 هـ.

 

أسرته ونسبه

صورة لتمثال هارون الرشيد في سوريا

تزوج الرشيد زبيدة بنت جعفر وهي ابنة عمه ورغم أن الرشيد قد تزوج أكثر من امرأة إلا أن زبيدة كانت المتربعة على عرش قلبه, ومن زوجاته أيضا أمة العزيز وأم محمد ابنة صالح المسكين بنت عمه سليمان بن أبي جعفر وتزوج أيضا ابنة عبد الله التي تعود بالنسب إلى عثمان بن عفان وتلقب الجرشية لأنها ولدت بجرش باليمن, ومن زوجاته أيضا عزيزة بنت صالح وهي بنت خاله أخو أمه الخيزران. هذا بخلاف الجواري ملك اليمين، حيث كان وجود الجواري والحظايا أمرا معروفا في ذلك الوقت وخاصة عند الملوك والأمراء وكبار القوم.

ولد لهارون الرشيد عشرة أبناء واثنتا عشر بنتا أما الأبناء فهم: محمد الأمين من زوجته زبيدة, وعبد الله المأمون من جارية فارسية اسمها مراجل, والقاسم بن الرشيد وأمه قصف, وأبو إسحاق محمد المعتصم بالله ووالدته تركية اسمها ماردة خاتون, و أحمد السبتي وعلي من زوجته أمة العزيز, وصالح من جارية اسمها رثم ومحمد أبو يعقوب ومحمد أبو عيسى ومحمد أبو العباس ومحمد أبو علي وهؤلاء من أمهات أولاد.

أما بنات الرشيد فهن : سكينة أخت القاسم، وأم حبيبة أخت المعتصم من ماردة خاتون, وأروى وأم الحسن وحمدونة وفاطمة وأمها عفص, وأم سلمة وخديجة وأم القاسم رملة وأم علي وأم الغالية وريطة وكلهن من أمهات أولاد.